ما إن وطئت قدماها المكان حتى توقفت للحظات، تتأمل المنزل الفخم من حولها في صمت. لم تكن تحتاج إلى كثير من الذكاء لتدرك أن ابنتها أصبحت زوجة لرجل يملك من المال ما يفوق خيالها. تحركت خلف الخادمة بخطوات مترددة، حتى توقفت أمام غرفة ليلى.
طرقت الخادمة الباب، ثم فتحته، لتظهر ليلى جالسة على الفراش، وبجوارها المرافقة التي خصصها عمران لها. ما إن وقعت عينا ليلى على والدتها حتى تبدلت ملامحها بالكامل. ـ ماما... خرجت الكلمة همسًا مكسورًا، وانهمرت دموعها في اللحظة نفسها.
اندفعت وفاء إليها واحتضنتها بقوة، كأنها تريد أن تتأكد بيديها أنها ابنتها، وأنها ما زالت بخير. ـ يا حبيبتي... يا بنتي، عاملة إيه؟ أبعدتها قليلًا، وأمسكت وجهها بين كفيها، تتفحصه بعينين مرتجفتين. ـ إنتِ كويسة؟ حد أذاكي؟ عمران عمل فيكي حاجة؟ هزت ليلى رأسها بالنفي، وهي تبكي.
ثم رفعت عينيها إلى المرافقة. ـ انزلي تحت... ماما هتبقى معايا. ردت المرافقة بحرج: ـ بس البيه قالي ما أتحركش من جنبك. استدارت ليلى إليها بعصبية: ـ وأنا بقولك انزلي! خدي اوامرك من البيه بتاعك بعيد عني ـ ليلى.
.. ـ تمتمت بها والدتها حين التقطت عصبيتها الزائدة _فين تليفوني؟ بدأت تبحث بعينيها حتى وقع بصرها على الهاتف فوق الطاولة. _ناوليني ياماما التليفون دا التقطته، وقالت وفاء: ـ اهدي يا بنتي. ـ هاتي تليفوني يا ماما... لما أشوف البيه فين، ييجي يلم بلاويه.
وقبل أن تتمكن وفاء من الرد، كانت ليلى قد اتصلت به. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى جاء صوته: ـ ليلى؟ فيه حاجة؟ تجمدت للحظة أمام لهفته، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف غضبها. ـ إنت فين يا بيه وسايب بلاويك لي؟
كان عمران يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة، فابتسم رغمًا عنه. ـ إنتِ كويسة الأول؟ ـ قول لاستكشاف والاستطلاع بتاعتك تطلع بره أوضتي! ضحك عمران، والتقط الكلمة الأخيرة منها، فقال بمشاكسة: ـ أوضتك؟ صمتت. ـ هي فين أوضتك دي يا خرساي؟
ازداد احمرار وجهها. فأضاف، بنبرة تحمل انتصارًا صغيرًا: ـ قصدك أوضتنا... أنا ومراتي حبيبتي. أغلقت ليلى الهاتف في وجهه وهي تتمتم غاضبة: ـ قليل الأدب! بقلم سيلا وليد كانت وفاء تراقبها بصمت. وبعد لحظات، رن هاتف المرافقة. ـ نعم يا بيه؟
جاءها صوت عمران: ـ سيبي المدام براحتها، مادام والدتها جت... مش هي جت علشان تقعد معاها؟ ـ أيوه يا بيه. وقبل أن تنهي المرافقة المكالمة،، قالت ليلى دون أن تنتبه: ـ هو البيه معاه رقم تليفونك؟ وياترى على الخاص كمان؟
توقفت المرافقة، بينما جاء صوت عمران من الهاتف : ـ انزلي تحت. تحركت المرافقة فورًا دون كلمة. لكن وفاء ظلت تنظر إلى ابنتها. كانت نظرتها مختلفة هذه المرة... نظرة أم رأت في عيني ابنتها شيئًا لم تستطع أن تتجاهله.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.