تجمد المأذون في مكانه، ونظر إليها بصدمة. — لا حول ولا قوة إلا بالله... البنت وشها أزرق يا جماعة! انحنى فريد وحملها سريعًا، يربت على وجنتيها المرتعشتين: — ليلى... ليلى افتحي عينيكي! ليلى! لكن والدها دفعه بعنــ,,ـــــف: — ابعد عنها! ثم اقترب من ابنته، ولكزها بطرف عصاه: — قومي يا بت!
بطلي تمثيل! لم تتحرك.. لم تفتح عينيها. كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة، وكأن الحياة نفسها بدأت تنسحب منه. تجمد محمود للحظة. ثم اندفعت وفاء نحوه بكل ما تبقى لديها من قوة، ودفعته بعيدًا عنها. — ابعد عن بنتي؟! تراجع محمود مذهولًا. وقفت وفاء أمام ابنتها، ثم صرخت في وجوه الجميع: — بررررة!
ترددت صرختها في أرجاء البيت. — برة بيتي! كلكم اطلعوا برة! كانت تبكي وتصرخ في آنٍ واحد. — ربنا ياخدكم... ربنا ينتقم منكم! ثم التفتت إلى زوجها، وعيناها تحترقان بالقهر: — ربنا ينتقم منك يا محمود! ربنا ينتقم منك إنت وأخوك ومراته وولاده! صاح محمد بغضب: — ما كفاية يا أختي!
مش كفاية إننا رضينا بيها؟ التفتت إليه وفاء، وقد فاض بها الكيل، وصاحت من أعماق قلبها: — ربنا يفضحك يا محمد! إنت ومراتك... في أعز ما عندكم! زي ما كسرتوا بنتي، ربنا يوريكم الوجع اللي أنا شايفاه في عينيها!
في تلك اللحظة حمل فريد أخته بين ذراعيه، وضم جسدها المرتخي إلى صدـ,,ـــره. وقال بصوتًا خرج مبحوحًا من الخوف: — ماما! التفتت إليه وفاء. — ليلى بتمــ,,ـــــوت يا ماما! لازم نلحقها! شهقت وفاء، وركضت نحوهما وهي تبكي: — بنتي... يا روح قلبي!
اقتربت منهما والدموع تغرق وجهها: — حسبي الله ونعم الوكيل... ارتجف صوتها: — يا رب... إنت شايف اللي حصل لبنتي. ثم احتضنت رأس ليلى، وهي تردد بانهيار: — يا رب ما تسيبش حقها... يا رب رد لها وجعها في اللي ظلــ,,ـــــموها... ي بينما صرخ فريد: — لازم نوديها المستشفى حالًا!
وتحول البيت في لحظات إلى صراخ وفوضى... أما ليلى... فكانت غارقة في غيبوبتها، لا تسمع شيئًا. ولا تدري أن آخر كلمة خرجت من بين شفتيها قبل أن يغيب عنها الوعي... لم تكن لا...ولم تكن موافقة... كانت اسم الرجل الذي احبته، رغم أنه حطم قلبها... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند عمران...
وصل إلى المنزل بعد وقتٍ لا يعرف كم استغرقه، وترجل من سيارته بجسدٍ مترنح، كأن الطريق كله مرّ فوق صدـ,,ـــره. لم يذهب لوالدته، لم يرد أن يراه أحد بهذه الحالة... لم يرد أن تنكشف هشاشته التي حاول طوال عمره أن يخفيها خلف بروده وقسوته.
صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ثم ألقى مفاتيحه وهاتفه وساعته بلا اهتمام، قبل أن ينهار بجسده فوق فراشه. استلقى على ظهره، وحدق في السقف بعينين زائغتين. لكن صورتها كانت أقوى من أن يهرب منها...رآها بفستان زفافها.
أغمض عينيه بقوة، وكأن إغلاقهما سيمنع تلك الصورة من الظهور، لكنها ازدادت وضوحًا. فستان أبيض... وجه شاحب... عيون منكسة... ورجل آخر يقف إلى جوارها. تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر. لأول مرة في حياته، يفهم معنى أن يكون الألم أكبر من قدرة الإنسان على احتماله.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.