ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها، وانحنت فوقهما، تنظر أمامها بصمت مضت الساعات سريعًا، حتى أقبل الليل بسكونه، لكنه لم يحمل السكون إلى قلب خديجة؛ فقد كان صدرها يضج بخفقات متلاحقة، كلما تذكرت حديث والدتها، وكلما تخيلت أن حبها لعبد الرحمن قد يصطدم بما تراه أمها من مخاوف.
وفجأة، أضاء هاتفها برسالة. رسالة واحدة... لم تحمل سوى كلمتين: _خديجتي. توقفت أنفاسها للحظة. مدت أناملها المرتجفة، ومررتها فوق الحروف، وكأنها تخشى أن تختفي إن لمستها. «خديجتي»... كلمته الصغيرة كانت كافية لأن تُربك قلبها كله؛
تشعرها أنها تخصه، وأن بينهما شيئًا لا يشبه أي شيء آخر، شيئًا اختصره في نداءٍ واحد، لكنه كان بالنسبة إليها وطنًا كاملًا. اغرورقت عيناها بالدموع، وابتسامة باهتة ارتجفت فوق شفتيها... لحظات اخرى ليرتفع الهاتف مرة أخرى خديجتي... خُذلتُ من الدنيا، فكنتِ أنتِ جبرَها.
ودُرتُ في طرقات العمر طويلًا، حتى وجدتُ في عينيكِ طريقي. خديجتي... يا خاءَ خَفقِ قلبي حين أراكِ، ويا دالَ دُعائي حين أرجو الله أن يجمعني بكِ ويا جيمَ جُرحي الذي لم يبرأ إلا بقربكِ، ويا ياءَ يقيني بأنكِ أجملُ ما ادّخره الله لقلبي. خديجتي...
ما كنتِ اسمًا أناديه، بل كنتِ وطنًا كلما ضاقت بي الحياة، عدتُ إليه. خديجتي... أنتِ لستِ امرأةً أحببتها فحسب، أنتِ الدعاء الذي أخشى أن أرفع يدي عنه،والحلم الذي أخاف أن أستيقظ منه، والقلب الذي بعدما وجدته... لم يعد قلبي يعرف كيف يعيش بعيدًا عنه.
فإن سألتِيني يومًا: لماذا تقول «خديجتي»؟ سأقول لكِ: لأن كلمة أحبكِ لا تكفيني، وكلمة حبيبتي لا تشبه ما أشعر به، أما خديجتي... فهي اختصارٌ لكل امرأةٍ تمنيتها، وكل دعوةٍ دعوتها وكل ليلةٍ انتظرتكِ فيها وكل حياةٍ أتمنى أن أعيشها معكِ.
تمددت على الفراش، وتبسمت تنظر للهاتف، ترى بين حروف كلماته صورها أما في الجهة الأخرى... فقد ظل عبد الرحمن ممسكًا بهاتفه، ينتظر ردها. ثوانٍ...ثم دقائق...ثم طال الانتظار. أطلق زفرة هادئة، ونهض من مكانه، واتجه إلى شرفة غرفته. وقف وأسند كفيه إلى السور، ورفع عينيه نحو النافذة المقابلة.
كانت غرفتها مضاءة. ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن تمتم بحنينٍ أرهقه: _إمتى يا خديجة تبقي معايا؟ رفع عينيه إلى السماء الصافية، فبدت النجوم متناثرة فوقها، فضحك بخفة وهو يتخيل وجهها بينها. وكأنه لم يعد يرى في السماء سوى عينيها. جاء صوت والدته من خلفه: _خالد مردش عليك لسه؟
استدار إليها. _لا... خليهم براحتهم، إحنا كنا لسه إمبارح. اقتربت منه، ثم وقفت إلى جواره. _ماشي يا حبيبي، بس إحنا من نفس الشارع، يعني مش لسه هيسألوا علينا. تنهد عبد الرحمن، وعادت عيناه إلى نافذة خديجة. _مش مهم يا ماما... المهم إنها موافقة.
تأملته والدته لحظات، ثم ضيقت عينيها في دهشة: _إنت اتكلمت مع خديجة؟ التفت إليها، ولمعت عيناه بابتسامة عجز عن إخفائها. _آه... ربنا يقرب البعيد إن شاء الله. رفعت والدته يديها إلى السماء: _ربنا يجعلها من نصيبك يا حبيبي يا رب.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.