فالعاشق لا يحب بنصف قلب... بل يضع قلبه كله بين يدي من أحب، ثم يقضي ما تبقى من عمره مطمئنًا مرةً، ومرتجفًا ألف مرة، لأن سعادته أصبحت معلقةً بشخصٍ واحد. وهكذا هو العشق... أن يصبح شخصٌ واحد قادرًا على أن يختصر لك العالم كله؛
فتراه وطنًا حين تتيه، ودفئًا حين تبرد روحك، وطمأنينةً حين يخيفك الغد... ثم تخاف عليه من كل شيء، حتى من الأيام. لأن أقسى ما في الحب ليس أن تحب... بل أن تجد أخيرًا من يستحق كل هذا الحب، ثم تدرك أن قلبك أصبح لا يعرف طريقًا للنجاة منه.
مضى يومان، والحال كما هو، حتى جاء صباحٌ عكر صفو القلوب، حين عادت جيهان إلى بيت زوجها بعد أن قضت عدة أيام برفقة والدتها. جلس الجميع على طاولة الطعام : _حمد الله على السلامة يا جيهان.
ابتسمت جيهان وهي تخلع عباءتها: _الله يسلمك يا حماتي. والله كنت عايزة أقعد أكتر، بس أمي قالت مينفعش تسيبي حماتك أكتر من كده. ابتسمت فاتن بحنان: _لا يا حبيبتي، كنتي اقعدي. أنا متفهمة الوضع، وبعدين دي أمك، لو مقعدتيش معاها وهي تعبانة يا بنتي، هتقعدي معاها إمتى؟
ردت سريعا : _يعني إيه يا طنط؟ بتقولي على أمي إيه؟ التفت إليه خالد سريعًا: _هي كانت قالت إيه.. وبعدين ماقولتيش امك عاملة ايه _ الحمد لله، بتسلم عليكِ يا خالد. _الله يسلمها. التفت خالد الى والدته _هنرد على عبد الرحمن بإيه يا ماما؟ أربع أيام عدوا، ولازم نرد. كفاية بقى.
توقفت جيهان عن المضغ، ورفعت رأسها باهتمام: _عبد الرحمن مين؟ نظر إليها خالد باستغراب: _عبد الرحمن الديب... جه وطلب خديجة. لمعت عيناها فجأة: _قصدك عبد الرحمن الحلو اللي قصادنا؟ رمقها خالد بنظرة ضيق: _مالك يا بت؟ ما تتظبطي... إيه الحلو دا؟ ارتبكت، وضحكت محاولة تدارك الأمر: _مش قصدي والله.
.. يعني عبد الرحمن اللي قصادنا. لوّح خالد بيده لينهي الحديث، ثم اتجه بنظره إلى أخته: _خديجة موافقة عليه... أقوله إيه؟ رفعت خديجة عينيها إلى والدتها، وكأنها تنتظر منها القرار. فقالت فاتن بهدوء: _اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ابني. قوله ييجي، أنا عايزة أتكلم معاه ونحط النقط على الحروف.
قطب خالد جبينه: _قصدك إيه يا ماما؟ نظرت إلى ابنتها، ثم عادت إليه: _مفيش يا ابني... يعني ترتيبات أي جواز. مش دي الأصول؟ أومأ متفهمًا: _أيوه، فهمت. ثم نهض وهو يحسم الأمر: _خلاص ماشي. اعملي حسابك نعزمهم على الغدا يوم الجمعة، ونتكلم في كل حاجة.
اتجه إلى غرفته، نظرت جيهان الى خديحة المبتسمة لوالدتها، ثم لحقت بخالد سريعًا. دفعت الباب خلفها، وما إن أغلقته حتى قالت بنبرة عتاب مدللة: _الله الله يا خالد... بقيت تاخد قرارات من غير ما ترجعلي ولا حتى تعرفني؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.