الفصل الثامن
اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك.❈-❈-❈
ليس أقسى من العتاب... إلا أن تعاتب شخصًا كان يومًا يعرف وجعك دون أن تتحدث. أن تقف أمامه، وفي قلبك ألف سؤال، وألف عتاب، ثم تكتشف أن السنوات التي ظننتها كفيلة بأن تجعلك غريبًا عنه... لم تفعل.
بل جعلت كل شيء أكثر قسوة. فبعض الأشخاص لا يؤلمنا رحيلهم بقدر ما يؤلمنا عودتهم...يعودون، فنكتشف أن الجرح لم يلتئم، وأن الغضب الذي ظنناه نسيانًا لم يكن إلا حبًا اختبأ طويلًا خلف الكبرياء. بينهما سنوات من الصمت، وسوء الفهم، والخذلان، وقلوب دفعت ثمن قرارات لم تكن تملك القدرة على تغييرها.
وكان يكفي أن ينطق أحدهما بكلمة واحدة... لتنهار كل الجدران التي بناها كلاهما حول قلبه. لكن هل يكون العتاب دائمًا بحثًا عن الاعتذار؟أم أن بعض العتاب ليس إلا محاولة أخيرة لإخبار من أحببناه:لقد آذيتني... أكثر مما تتخيل.❈-❈-❈
توقفت تنظر إليه بصمت، تنتظر أن يُكمل حديثه، بينما كان هو يلتهم ملامحها القريبة بعينيه، كأن السنوات الخمس لم تكن سوى ستارٍ رقيق انزاح فجأة، ليعيد إليه كل ما حاول دفــ,,ـــــنه. لم يستطع التغلب على قلبه الذي يتمرد عليه، يفضح أمامها ما يحاول لسانه إخفاءه.
كانت كل نبضة فيه تصرخ باسمها، رغم كل الغضب الذي أقسم أنه لن يسامحها عليه. تلاقت عيناهما...ومع تلك النظرة، دار بينهما حديثٌ كامل، لم تحتاج فيه الكلمات إلى صوت؛ هو يتهمها بالغدر، وهي تتهمه بالخذلان.
سحبت عينيها عنه، وكأن النظر إليه صار يؤلمها أكثر مما تحتمل، وقالت بخفوت:_عايز إيه يا بشمهندس؟جاء صوته باردًا، رغم أن شيئًا في داخله كان يرتجف:_حقي...رفعت عينيها إليه سريعًا، وكأن الكلمة أصابتها في موضعٍ لم يندمل بعد، وهمست:_حقك... عايز حقك في إيه بالظبط؟
دنا منها خطوة، فشعرت بأن المسافة بينهما تضيق على أنفاسها، فتراجعت خطوة إلى الخلف، تبتعد عنه قبل أن تخونها قوتها، وقبل أن تجد نفسها من جديد بين ذراعي الرجل الذي حاولت سنوات أن تقنع قلبها بأنه صار غريبًا عنها.
فقال بصوتٍ يحمل مرارة سنوات كاملة:_حق غدرك بيا يا خديجة... مفكرة هسيب حقي؟ مفكرة إني نسيت؟رمقها بنظرة ساخرة، لكنها لم تستطع أن تخفي ارتعاشة عينيه وهو يضيف:_اتطلقتي بسرعة... مش عارف أباركلك ولا أزعل عليكي. تفتكري أقولك إيه؟
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها تماسكت، وكأنها ترفض أن تمنحه لذة رؤية انكسارها، ثم قالت بصوتٍ مخنوق:_وأنا كمان عرفت إنك اتجوزت وخلفت... بس أنا باركت لكَ. تعلقت عيناه بعينيها، كأن كلماتها لمست جرحًا قديمًا فيه، فابتسم ابتسامة صغيرة خالية من الفرح، وقال:_يبقى أنا لازم أرد التهنئة.
.. مش كده يا...توقفت الكلمات على شفتيه. رفع عينيه إلى عينيها مباشرة، وكأنه تعمد أن يختار الكلمة التي يعرف أنها ستوجعها، ثم قال ببطء:_يا مدام. ارتجف قلبها بعنــ,,ـــــف. كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل ما تبقى من تماسكها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.