.. فيه حاجات مجرد إنك تفكر فيها في حد محترم، تبقى ظلمته. ثم اتجه نحو جيهان بخطوات واسعة، حتى وقف أمامها مباشرة، وغرس عينيه في عينيها: _ ولما أنتِ خايفة على حماتك بالشكل ده... مش كان الأولى تكوني جنبها بدل ما تكوني واقفة هنا بتتكلمي على الناس؟
قال أحدهم: _ بس ليه خديجة تتصل بيك أنتَ؟ اعذرنا يا ابني، مش بنشكك في أخلاقك، بس بنسأل. أجاب دون تردد: _ علشان خديجة خطيبتي. تعالت همهمات خافتة، فتابع بثبات: _ طلبت إيدها من أسبوع، والنهارده كنا بنجيب الدبل، وناويين نكتب الكتاب قريب.
لو شايفين إن البنت لما تتعب أمها وتحتاج دكتور، تستنجد بخطيبها عيب أو حرام... احكموا إنتوا. شهقت جيهان، وقاطعته بحدة: _ محصلش يا عبد الرحمن! أنتَ طلبت إيدها آه، بس إحنا رفضناك! سقطت كلماتها كحجر في بئر عميق.
طالعها بصمت مريب، وهو ثابت في مكانه، وكأن الجملة أصابته في موضع لم يكن مستعدًا أن يُمسّ أمام الناس. انقبض فكه، وتشنجت أصابعه حتى ابيضّت مفاصلها، وضغط على شفتيه بقوة، يكبح غضبًا كان على وشك أن يفلت منه.
كان يستطيع أن يرد. كان يستطيع أن يفضح ما حدث. لكن كرامته منعته أن يحوّل الأمر إلى مهاترة أمام الجميع. وقبل أن ينطق، جاءت حسناء مسرعة، بعدما سمعت أصواتهم من الخارج. _ إيه؟ مالكم؟! إيه اللي بسمعه ده؟!
تلفتت حولها، ثم وقعت عيناها على ابنها، وعلى خديجة الواقفة خلفه، وعلى جيهان التي كانت لا تزال ممسكة بالهاتف. اقتربت أكثر، وقد بدا الاستنكار واضحًا على وجهها: _ عبد الرحمن؟! ثم التفتت إلى الواقفين: _ بقى عبد الرحمن اللي البلد كلها بتشهد له بشهامته ورجولته وأخلاقه، يتقال عليه الكلام ده؟
! وبعدين نوارة الحتة، بنتنا اللي اتربت قدام عينينا، نرميها بالباطل كده؟! ثم استدارت نحو جيهان: _ مالك ومال ولادي يا جيهان؟! مش كنت عندكم الصبح، واتفقت مع حماتك على خطوبة الولاد؟! رفعت جيهان ذقنها وقالت ببرود: _ ومن إمتى يا خالتي الكلام بيكون مع النسوان؟
ابتسمت حسناء ابتسامة قصيرة، وقالت: _ من يوم ما شفنا خلقتك يا جيهان. شهقت بعض النساء، بينما كتم آخرون ضحكاتهم. لكن حسناء لم تلتفت لأحد، ورفعت صوتها حتى وصل إلى الجميع: _ اللي شاكك في أخلاق ولادي يفضل واقف! ثم تابعت بحزم: _ بس قبل ما تشكوا فيهم.
.. وقبل ما ترموا كلام على بنات الناس، اتقوا ربنا. السمعة مش لعبة، والكلمة اللي بتطلع من بقك ممكن تكسّر إنسان عمره كله. ثم استدارت ولوحت بيدها للجميع: _ يلا... كل واحد يروح بيته. بدأ التجمع يتفرق، وبقيت جيهان واقفة مكانها، تحمل الهاتف وكأنها لا تزال متمسكة باتهامها.
انتظرت حسناء حتى غادر الجميع، ثم اقتربت منها، وقبضت على ذراعها بقوة، ودفعتها إلى الداخل. _ ممكن أفهم ليه عملتي كده؟! نزعت جيهان ذراعها بعصبية، ومدت الهاتف أمامها: _ شوفي بنفسك! ابنك المحترم والهانم وهما في أحضان بعض، وبعدين تعالي زعقيلي!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.