طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

وتبكي السنوات التي انتظرته فيها... وتبكي نفسها، لأنها انتظرته بكل نبضة قلب. ولكن حين عاد أخيرًا، وجدته أبًا لطفلة ليست لها. كانت تلك اللحظة هي المرة الأولى التي تتمنى فيها خديجة بصدق... لو أنها لم تحبه يومًا.

استمعت والدتها إلى صوت بكائها، فرفعت يدها المرتجفة، تحاول أن تنطق، لكن الكلمات خرجت متقطعة ضعيفة:
_ ديجة... التفتت خديجة إليها على الفور، وما إن استمعت إلى صوت أمها حتى نهضت سريعًا، ومسحت دموعها بعجلة، تخشى أن ترى والدتها حزنها.

ألم تعلمي يا عزيزتي أن الأم تشعر بابنتها دون أن تنطق؟ كيف تظنين أن إخفاء دموعك سيُخفي عنها وجعك؟ إن الأم ترى ما تعجز الكلمات عن قوله، وتسمع في الصمت أنينًا لا يسمعه سواها.

دلفت إليها وهي ترسم على شفتيها ابتسامة حاولت أن تجعلها صادقة:
_ حبيبتي... أنا جيت. رفعت فاتن عينيها إليها، وحاولت أن تسألها، لكن لسانها أثقله المرض، فلم تستطع سوى أن تنظر إليها في عجز موجع. اقتربت خديجة منها، وأزاحت الغطاء عن قدميها، ثم سحبت المقعد إليها برفق وجلست أمامها.

أمسكت كفيها بين كفيها، وقبّلتهما بحنان، ثم قالت وهي تحاول أن تخفي خلف كلماتها كل ما يعتصر قلبها:
_ اتأخرت عليكي، آسفة يا حبيبتي... حنان كلمتني من نص ساعة وقالت عندها مشوار، بس كان عندي تكريم.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها، وكأنها تذكرت شيئًا جميلًا وسط كل هذا الخراب:
_ أنا اترقيت النهارده يا أمي... ومرتبي زاد. ثم رفعت عينيها إلى والدتها، وأضافت بحماس طفولي حاولت أن تستعيد به شيئًا من نفسها القديمة:

_ إن شاء الله هغيّرلك الكرسي ده، وأجيبلك واحد سهل... تعرفي تتحركي بيه لوحدك، ونخرج سوا، ونروح أي حتة نفسك فيها. رفعت فاتن كفيها المرتجفتين، وضعت إحداهما فوق رأس ابنتها، ثم أخذت تتأمل عينيها، وكأنها تسألها دون كلمات: لماذا كل هذا الحزن الذي يسكنهما؟

انحنت خديجة وقبّلت كفها، ثم همست بصوت اختنق بالبكاء:
_ علشان بتوحشيني... سكتت لحظة، ثم خرجت الكلمات من قلبها قبل شفتيها:
_ نفسي ترجعي تتكلمي زي الأول أوي يا ماما... نفسي أسمع صوتك يناديني باسمي، نفسي أحكيلك كل حاجة زي زمان.

.. من غير ما أضطر أفهم كلامك من عينيكي. فجأة... تعالت طرقات صاخبة على باب المنزل. انتفضت خديجة، ثم نهضت وهي تدفع مقعد والدتها برفق. _ يلا تعالي اقعدي برّه، هفتح الباب... أخلي الشمس تدخل لك، وأشغلك أم كلثوم كمان.

ازداد الطرق عنــ,,ـــــفًا. تركتها خديجة واتجهت إلى الباب، وهي ترفع صوتها بضيق:
_ حاضر! إيه؟ قاعدة جنب الباب؟! ما إن فتحت الباب حتى توقفت جيهان أمامها، بنظارتها الشمسية وثيابها الأنيقة، تنظر إليها من أعلى إلى أسفل بنظرة مستفزة.

قالت ببرود:
_ إيه؟ ساعة لما تفتحي؟ أجابتها خديجة بجمود:
_ عايزة إيه؟ دفعتها جيهان من طريقها وهي تقول باستخفاف:
_ جاية أشوف أمك... لسه عايشة ولا اتكلت؟ لم تحتج خديجة إلى أكثر من تلك الكلمة.

فأمسكت بذراعها، ودفعتها بكل ما تراكم داخلها من قهر، حتى اصطدمت جيهان بالحائط بقوة، فصرخت:
_ عايزة تسقطي ابن أخوكي؟! اقتربت منها خديجة، وعيناها تشتعلان بالغضب:
_ ياريت... وأهو تدوقي الوجع ده لو عندك قلب! ثم أشارت إلى الخارج:
_ امشي...

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
سو

سيلا وليد موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
19مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

غيث وغفران روايات

غيث وغفران

غيث بصوت عالي جدا هز اركان المكان من حوله انت بتقول اي يا بابا بقى أنا غيث الشناوي أتجوز ط…

سيلا وليد 0.0 25 دقائق
اعادت لي شبابي روايات

اعادت لي شبابي

.. انت بتقولي ايه يا أمي اتجوز مين ملك مين بنت هند اللي لو كنت اتجوزها كانت ملك دي هتبقى ب…

سيلا وليد 0.0 26 دقائق