بكت فاتن على كلمات ابنتها وهذا الشيء، عاجزة عن الكلام، فرفعت كفيها المرتجفتين، ووضعت إحداهما فوق رأس ابنتها، تمسح عليها بحنان أم لا تملك سوى حــ,,ـــــضنها لتداوي به كل ما عجزت الكلمات عن مداواته. وما إن شعرت خديجة بيد أمها فوق رأسها، حتى انهارت أكثر.
تسللت إلى أحضانها، واحتضنتها كطفلة أنهكها الطريق، ودفــ,,ـــــنت وجهها بين ذراعيها، وبكت... وبكت فاتن معها. وفي تلك اللحظة، لم تكن خديجة امرأة قوية، ولا فتاة تجاوزت الألم، ولا تلك التي وقفت منذ دقائق تدفع من آذاها بعيدًا... كانت فقط ابنة تبحث عن الأمان.
ومن يخبرنا أن حــ,,ـــــضن الأم يساوي الدنيا وما عليها؟ فيا صديقي... إن كانت أمك ما زالت تملك ذراعين تحتضنك بهما، وصوتًا تناديك به، وقلبًا يخاف عليك... فأنت تملك كنزًا لا يُقدّر بثمن. فاحفظها... فخديجة لم تخسر سنوات من عمرها فحسب، بل دفعت من قلبها وحياتها ثمنًا باهظًا، حتى يظل حــ,,ـــــضن أمها هو ملجأها، وهي لا تريد شيئًا من الدنيا.
.. إلا أن تشعر، ولو للحظات، أنها ما زالت طفلتها. ❈-❈-❈ عند عبدالرحمن... عاد إلى منزل والدته بعدما تركته خديجة وغادرت. وصل أمام منزلها، فرمق المنزل، وعادت ذكريات ما قبل خمس سنوات. فجأة خرجت جيهان وهي تسب خديجة. توقفت بذهول حين رأته أمامها.
هل هذا عبدالرحمن حقًا، أم أن أحدًا يشبهه؟ اقتربت منه وابتسامة على وجهها: _ تعرف، ما عرفتكش... حمد الله على السلامة. _ أهلًا... تمتم بها وتحرك وهو يحمل الطفلة. راقبت تحركه بصدمة، تحدث نفسها: _ معقول ده عبدالرحمن؟! راقبته حتى وصل إلى منزل والدته، مع خروج ماسة ووالدته.
قالت ماسة بتلهف وهي تضم ابنتها: _ لقيتها فين؟ ثم التفتت إلى حسناء: _ إيه اللي نزّلكم يا ماما؟ أجابتها حسناء: _ كانت هتتجنن يا ابني، بنتها برضه. أشار عبدالرحمن إلى الداخل وقال: _ يلا... اطلعي فوق، وما تنزليش تاني. طالعته غاضبة: _ هنفضل هنا لحد إمتى؟
فيه دوشة أوي هنا، وأنتَ شوفت البنت. _ ماسة... اطلعي فوق. سحبتها حسناء وهي ترمق ابنها: _ بالراحة يا حبيبي، هي مش متعودة. مسح على وجهه بغضب، فهو في حالة لا يريد فيها جدالًا مع أحد. ضمّت ابنتها وصعدت. _ اتصرف، أحسن ما أروح فندق.
اقتربت منه والدته: _ خدها شقتك يا حبيبي، هي دلوقتي جاهزة. مش هتسلك هنا، صوت البياعين مزعج. _ تمام... هروح أشوفها ناقصة حاجة ولا لأ. خلي بالك منها ومن البنت لو سمحتِ يا ماما. لكزته ضاحكة: _ بتوصيني على مراتك وحفيدتي يا واد؟
ابتسم، ثم ضم رأسها وقبّلها: _ ربنا يخليكي ليا يا ست الكل. كل هذا وجيهان تراقبهم بصمت. تراجعت على الدرج وجلست، وأخرجت هاتفها. _ بقى عبدالرحمن رجع... علشان كده مستقوية يا خديجة. طيب ماشي. صمتت حين تذكرت الفتاة والطفلة. _ بس مين دول؟ شكل البنت أبهة أوي.
_ أيوة يا مروان، ما جتش تاخد خديجة ليه؟ مش إحنا اتفقنا إنك هتاخدها؟ جاءها صوته من الطرف الآخر باردًا، خاليًا من أي رغبة في النقاش: _ بقولك إيه، لا عايز خديجة ولا عايز غيرها... ابعدي عني وخلاص.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.