رفع عينيه إلى السماء الصافية، فبدت النجوم متناثرة فوقها، فضحك بخفة وهو يتخيل وجهها بينها. وكأنه لم يعد يرى في السماء سوى عينيها. جاء صوت والدته من خلفه: _خالد مردش عليك لسه؟ استدار إليها. _لا... خليهم براحتهم، إحنا كنا لسه إمبارح.
اقتربت منه، ثم وقفت إلى جواره. _ماشي يا حبيبي، بس إحنا من نفس الشارع، يعني مش لسه هيسألوا علينا. تنهد عبد الرحمن، وعادت عيناه إلى نافذة خديجة. _مش مهم يا ماما... المهم إنها موافقة. تأملته والدته لحظات، ثم ضيقت عينيها في دهشة: _إنت اتكلمت مع خديجة؟
التفت إليها، ولمعت عيناه بابتسامة عجز عن إخفائها. _آه... ربنا يقرب البعيد إن شاء الله. رفعت والدته يديها إلى السماء: _ربنا يجعلها من نصيبك يا حبيبي يا رب. ابتسم عبد الرحمن، وكأن دعاءها وحده كان كفيلًا بأن يطمئن قلبه.
سحبته والدته من يده كطفلٍ صغير، وأجلسته أمامها، ثم قالت وهي تهزهز رأسها: _بقولك إيه... لازم تبطل بعزقة فلوس شوية. لم إيدك، ومش كل حاجة عمر يطلبها تديهاله. رفع حاجبيه باستغراب: _إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
عمر مش طفل، ده راجل. _ما هو علشان كده بقولك لم نفسك من المصاريف يا ابني. إنت داخل على جواز، ولسه وراك حاجات كتير. تنهد عبد الرحمن: _إن شاء الله نتكلم بعدين. نهض، لكنها وقفت أمامه تمنعه من الهروب من الحديث.
_لا، دلوقتي يا عبد الرحمن. شقتك عايزة شغل كتير، غير العفش والشبكة والمؤخر، وأنا عايزاك متشلش هم عمر. معاش، أبوك هيكفينا. تغيرت ملامحه قليلًا. _هنرجع تاني نتكلم في معاش بابا يا ماما؟ إحنا اتكلمنا كتير في الموضوع ده. _وأنا بقولك إني كنت بوافقك زمان علشان مكنش عندك مسؤوليات، لكن دلوقتي.
.. قاطعها بهدوء، لكن بنبرة لا تقبل النقاش: _ماما... إنتوا مسؤوليتي الأولى. سكتت. أكمل وهو ينظر إليها بحنان: _وبعدين أنا هتجوز في البيت هنا. البيت كبير، يعني الشقة هعبيها. ض. ربت والدته على صدرها من الصدمة: _اتجننت؟ تبيع شقة جوازك؟! وإيه يعني تتجوز هنا؟
يابني، مش إنت كنت عايز تخرج من المكان ده أصلًا؟ سكت عبد الرحمن لحظة. ثم قال: _ممكن نتكلم بعدين يا ماما. هزت رأسها بإصرار: _لا... دلوقتي يا عبد الرحمن. نظر إليها طويلًا، ثم أطلق زفرة عميقة، وقال: _طيب يا ماما... أنا كنت عايز أخرج من المكان علشان خديجة.
كده كويس؟ انعقد حاجباها. _يعني إيه؟ مش فاهمة. ابتسم ابتسامة موجوعة، وقال: _يعني كنت مفكرها مرتبطة بشخص تاني. صمتت والدته. _وعلشان كده مكنتش هقدر يا ماما أبقى في نفس المكان... حتى لو اتجوزت غيرها. ارتجف صوتها وهي تناديه: _عبد الرحمن.
.. رفع عينيه إليها. ظلت تنظر إلى وجه ابنها طويلًا، وكأنها ترى للمرة الأولى مقدار ما حمله قلبه طوال الفترة الماضية. ثم قالت بصوت خافت: _إنت لدرجة دي بتحبها يا ابني؟ مرر يده فوق شعره، وكأن السؤال أصاب أعمق مكان في قلبه. ثم ذهبت عيناه دون إرادة منه إلى نافذتها المضيئة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.