ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة. أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هناك. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت: _يا رب... عدي الليلة دي على خير. أما هو.
. فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه. وصل إلى مسامعه صوت المأذون: _بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. _مبروك يا عرسان! _ربنا يسعدكم! _ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا.
واقفًا كالغريب وسط الجميع.. رفع عينيه ببطء...فرآها. العروس.. في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن...أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها.. توقفت عن الابتسام.. ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها.
وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن... سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة.. ولا موسيقى. ولا زغاريد. فقط هو. هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمُه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به: _عبد... الرحمن... تجمد هو الآخر.
.. وتعلقت العينان ببعضهما البعض.. نظر اليه وداخله يصرخ: إن كانت قد اختارت غيره... فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟ وهنا... تعالوا بينا نغوص في حكايتنا من بدايتها... حكاية حب بدأت قبل أن يعرف أيٌّ منهما أنه وقع فيها، وحكاية قلبين فرّق بينهما سوء الفهم، والقدر، وأشياء لم تُقل في الوقت المناسب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل عدة شهور صباحًا مليئا بنسيم العليل ورائحة البحر،بأمواجه قد أطلَّ على الإسكندرية،عروس البحر المتوسط، وبين ضيجيج المدينة ليلا هدوءٍ صباح حالم، تتسلل أشعة الشمس الذهبية على سكانها وبأحدى المنازل البسيطة، كان صوت الأغنية يتردد من المذياع: "يا حلو صبح... يا حلو طل...
" كأن الصباح نفسه يحاول أن يمنح البيت شيئًا من البهجة، قبل أن تفسدها قسوة البشر. وقفت خديجة في المطبخ تعدُّ طعام الإفطار، وقد جمعت خصلاتها الناعمة بحجابٍ صغير كفيونكة، بينما راحت تتحرك بين الأطباق والأكواب في عجلة؛
حتى لا تتأخر عن محاضراتها التي تنتظرها في الجامعة. جاءها صوت زوجة أخيها من الخارج: _إنتِ يا أستاذة، لسه مخلصتيش؟ التفتت إليها خديجة، وهي تضع أكواب الشاي فوق الصينية. _خلاص، بعمل الشاي. حضري السفرة وأنا أطلع الأكل. زفرت جيهان بضيق، ثم ألقت بجسدها على المقعد.
_لا ياختي، اطلعي امسحيها. أنا سهرانة طول الليل، معرفتش أنام من التعب. رفعت خديجة عينيها إليها للحظة، ثم ابتلعت اعتراضها. لم تكن تريد أن يبدأ صباحها بمشكلة. وضعت الأكواب بعناية فوق الصينية، ثم خرجت إلى الغرفة الصغيرة، وأعدت طاولة الطعام المتواضعة، رتبت الأطباق واحدًا تلو الآخر، ثم اتجهت إلى غرفة والدتها.
اقتربت من النافذة، وسحبت الستارة جانبًا، فاندفعت خيوط الشمس إلى الغرفة _ماما... يلا حبيبتي، الساعة تمانية. قومي افطري علشان همشي على الجامعة. فتحت والدتها عينيها ببطء، ثم تمتمت بنعاس: _مرات أخوكي صحيت ولا لسه نايمة كعادتها؟ ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، ومدت يدها تساعد والدتها على النهوض.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.