انحدرت دمعة أخرى على خدها. كانت تعد الليالي لعودته... كانت تدعو أن يجمعهما الله يومًا... كانت تتخيل تلك اللحظة ألف مرة. لكنها، الآن، حين عاد أخيرًا... تمنت لو أن الطريق ظل طويلًا، ولو أن المسافات لم تنتهِ، ولو أنها لم تره أبدًا. كرر بصوت أكثر ارتباكًا: _ خديجة...
رفعت عينيها إليه، وفيهما سؤال مرتجف، سؤال واحد كانت تخشاه أكثر من أي شيء: ــ هل ستتركني أم سترحمني؟ نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم سألت بصوت خرج مكسورًا: _ دي بنتك؟ تجمّد لسانه للحظة، ونظر إلى الصغيرة.
.. وقبل أن يضيف كلمة، رفعت الصغيرة يدها وضــ,,ـــــربته بخفة على خده، ثم قالت ببراءة الأطفال: _ بابي... سيليا عايزة أمشي. أوف، هنا دوشة... فين مامي؟ توقفت أنفاس خديجة. نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم إليه، ثم عادت إلى الصغيرة، وكأنها تحاول أن تستوعب الحقيقة التي ينكرها قلبها.
_ أيوة، سيليا... ارتعشت شفتاها، وانفجرت دموعها دفعة واحدة، بلا قدرة على إيقافها. شعرت بقلبها يضــ,,ـــــرب بعنــ,,ـــــف داخل صدـ,,ـــرها، حتى خُيّل إليها أنه يحاول الخروج من بين ضلوعها هربًا من ذلك الوجع. تمتمت، بتقطع، كأن الكلمة انتُزعت من أعماق جرحها: _ بنتك.
.. نظر إليها، ثم قال بصوت خافت: _ أيوة... سيليا عبدالرحمن سلطان الديب. كان اسمها كافيًا ليسقط آخر ما تبقى من قدرتها على التماسك. اسودّت الدنيا أمام عينيها. تلاشت الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى وجهه... وطفلته... ترنحت خطواتها، وخذلتها ساقاها، فامتدت يدها دون وعي تستند إليه.
اقترب منها مذعورًا: _ خديجة! لكنها لم تسمعه... أو ربما سمعته، لكنها لم تعد تملك قلبًا قادرًا على سماع المزيد. همست بصعوبة، والحروف تتكسر بين شهقاتها: _ مبروك. ثم أغمضت عينيها بقوة. لم تكن تريده أن يرى دموعها. لم تكن تريده أن يرى أنها ما زالت تحبه.
ولم تكن تريد لنفسها أن تعرف أنها، رغم كل ما مرّ بها، لم تتخطّه يومًا. سحبت يدها من يده بسرعة، وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع: _ بعد إذنك. ثم استدارت. تحركت نحو منزل والدتها بخطوات متعثرة، تحمل جسدًا أنهكه الوقوف وقلبًا لم يعد يحتمل نبضة أخرى.
فتحت الباب بيد ترتجف. دلفت... ثم أغلقته خلفها بصعوبة. وبمجرد أن أُغلق الباب... انهارت. هوت بجسدها خلفه، كأن كل القوة التي تظاهرت بها أمامه لم تكن سوى خيط واهن انقطع أخيرًا. وضعت كفيها فوق صدـ,,ـــرها، وانكمش جسدها وهي تبكي... تبكي كما لم تبكِ من قبل. سنوات من الانتظار.
.. سنوات من الدعاء... سنوات من الأمل... انفجرت دفعة واحدة. شهقت حتى اختنق صوتها، وضغطت على صدـ,,ـــرها، تحاول أن تمنع قلبها من التمزق. _ آآآه... خرجت صرختها ممزقة، حادة، محملة بكل ما عجزت عن قوله أمامه. ثم شهقت مرة أخرى، ودفــ,,ـــــنت وجهها بين كفيها، وارتفع بكاؤها أكثر. كانت تبكي الرجل الذي أحبته.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.