خفض خالد رأسه، ثم رفع عينيه إليه بسرعة: _يعني العملية هتنجح؟ لم يجب الطبيب فورًا. ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليزرع الرعب في قلبه. _أنا مش هكدب عليك يا أستاذ خالد... العملية ممكن تتعمل، لكن حالة والدتك مش سهلة. _ليه؟
_عندها سكر وضغط، وعضلة القلب ضعيفة، وده بيزود خطورة الجراحة والمضاعفات بعدها. لازم كمان نقيّم وظائف الكلى والرئة ونضبط السكر والضغط قبل العملية قدر الإمكان. ارتجفت شفتا خالد. والعملية دي مكلفة اجاب الطبيب: العملية محتاجة تجهيزات وفريق جراحة قلب وعناية مركزة، وتكلفتها مش قليلة يا أستاذ خالد، خصوصًا إن حالة والدتك محتاجة متابعة دقيقة بعد العملية.
خالد بقلق: يعني في حدود كام يا دكتور؟ الدكتور: الإدارة المالية هي اللي تقدر تحدد الرقم النهائي بعد ما نعرف كل التفاصيل، وأنا مش حابب أقولك رقم مبدئي ويطلع مختلف. لكن لازم تحسب حساب تكلفة كبيرة، خصوصًا لو احتاجت فترة أطول في العناية المركزة.
خرجت خديجة من غرفة الطبيب بخطواتٍ متعثرة، كأنها لا تعرف إلى أين تتجه، ولا ماذا تفعل بعد أن سمعت ما لم يكن قلبها مستعدًا لسماعه. عملية قلب...نسبة خطورة مرتفعة... والدتها قد لا تحتمل... ترددت الكلمات في رأسها كأنها مطارق تضرب عقلها بلا رحمة.
هل يُعقل أن يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه ولا تجد أمها إلى جوارها؟ هل يُعقل أن تفقد المرأة التي كانت لها أمًا، وأبًا، ووطنًا كاملًا؟ انهمرت دموعها بغزارة، وأسرعت تمسحها بيد مرتجفة، لكنها كانت أكثر من أن تُخفى.
وفجأة... جاءها صوته من خلفها، ذلك الصوت الذي لطالما كان قادرًا على أن يهدئ اضطراب قلبها بمجرد أن تسمعه. _خديجة! توقفت في مكانها والتفتت إليه سريعًا. كان عبدالرحمن يقف أمامها، وما إن وقعت عيناه على وجهها الغارق بالدموع حتى تغيرت ملامحه، واقترب منها بخطوات سريعة.
_مامتك عاملة إيه؟ لم تجبه. ظلت تحدق به بعينين تائهتين ماذا تقول له؟ هل تخبره أن أمها قد ترحل؟ هل تقول له إنها للمرة الأولى تشعر أنها طفلة صغيرة، خائفة من أن تفقد اليد التي ظلت تتشبث بها طوال عمرها؟ ارتجفت شفتاها، ولم تستطع الكلام. فقال برفق: _خديجة.
.. بصيلي. رفعت عينيها إليه. وفي اللحظة نفسها، لمح أثر أصابع واضحًا على جانب وجهها، وقد تلون موضع الضربة بلونٍ قاتم. تجمدت ملامحه. _إيه اللي في وشك ده؟ أسرعت بوضع يدها فوق موضع الصفعة، وخفضت عينيها. _اتخبطت في الحيطة. ظل ينظر إليها للحظات. لم يصدقها.
لكنه لم يضغط عليها، رفع يده بهدوء إلى حجابها، وجمع بعض خصلات شعرها التي بعثرتها الحركة تحت الحجاب، ثم عدّل طرفه برفق.. كانت يداه حانية عليها بقدر حبه، طالعها بنظرة تخصها ومازال اطراف ححابها بين أصابعه _ظبطي شعرك...متخليش حاجة منه تبان نظرت إليه بصمت.
قال وهو يثبت عينيه في عينيها: _ومش عايزك تقلقي... أنا موجود. كانت كلمتان فقط. لكن قلبها المكسور تلقاهما كأنهما طوق نجاة أُلقي إليها في بحرٍ هائج. ازداد ارتجاف جسدها. _عارف نفسي في إيه؟ قالتها بصوتٍ مختنق بالبكاء. اقترب منها خطوة، وكأن قلبه فهم قبل أن يسمع.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.