طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

_كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟ رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء: _الآنطي دي. ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته. _الآنطي دي؟ ثم استدار... وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها...توقف كل شيء.

لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه هي. خديجة. وقف ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها. تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي...

بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع. أما خديجة، فظلت واقفة مكانها. لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها. كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه.

ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه. ابنته.. ارتعشت شفتاها. وعاد بصرها إليه. التقت عيناهما من جديد... وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء. كل الوجع.. كل الاشتياق. كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب.

وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات. أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات... وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟ اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك.

❈-❈-❈ ليس أصعب ما في اللقاء أن ترى من اشتقت إليه... بل أن تراه أمامك، ولا تملك حق الاقتراب. خمس سنوات كاملة مرّت، ظنّ خلالها أن الوقت سيطفئ ما بداخله... لكنه حين وقعت عيناه عليها، أدرك أن بعض الغياب لا يُنسي، بل يعلّم القلب كيف يتألّم في صمت.

كانت أمامه، قريبة إلى الحد الذي يؤلمه... وبعيدة إلى الحد الذي لا يملك معه حق الاقتراب. أراد أن يقول اسمها فقط، أن يسمع صوته وهو يناديها كما كان يفعل قديمًا. لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه. ماذا سيقول لها؟

❈-❈-❈ توقفت خديجة في مكانها، تحدّق فيه بعينين امتلأتا بالدموع، كأن السنوات التي قضتها وهي تنتظر وتقاوم وتدفــ,,ـــــن وجعها اختارت أن تجتمع كلها في تلك اللحظة. أبعدت عينيها عنه للحظة، ثم عادتا رغمًا عنها إلى الصغيرة المستقرة بين ذراعيه. طفلة... ابنته.

هل أصبح له زوجة وأبنة وحياة كاملة؟ ارتجف قلبها من الحقيقة المُرّة؛ فهو عاش حياته، وهي ما زالت تحمل بين ضلوعها بقايا قلب لم يعرف كيف يتوقف عن انتظاره. انفلتت دمعة ساخنة من عينيها، فأسرعت تمسحها قبل أن يراها، ثم أدارت وجهها بعيدًا، تحاول أن تخفي انهيارها خلف كبرياء واهن.

أما هو، فتوقف وكأن الزمن نفسه قد انقطع. لم يصدق عينيه... خديجة؟! بعد كل تلك السنوات... هي؟ اهتز قلبه حين وقعت عيناه على ملامحها التي ذبلت قليلًا، وكأن الحياة مرّت فوقها بقسوة، ومع ذلك... بقيت عيناها كما عرفهما؛ تحملان تلك البراءة التي طالما هزمت قلبه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
سو

سيلا وليد موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
19مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

غيث وغفران روايات

غيث وغفران

غيث بصوت عالي جدا هز اركان المكان من حوله انت بتقول اي يا بابا بقى أنا غيث الشناوي أتجوز ط…

سيلا وليد 0.0 25 دقائق
اعادت لي شبابي روايات

اعادت لي شبابي

.. انت بتقولي ايه يا أمي اتجوز مين ملك مين بنت هند اللي لو كنت اتجوزها كانت ملك دي هتبقى ب…

سيلا وليد 0.0 26 دقائق