فجأة فتحت باب السيارة وهي لا تزال تتحرك، فارتفع صوته بفزع، وضغط على المكابح سريعًا حتى توقفت السيارة. _ يا خديجة! استني! لكنها لم تلتفت حتى. هبطت من السيارة بخطوات متعجلة، ومسحت دموعها بطرف أصابعها، ثم أسرعت نحو السيارة التي ستقلّها إلى وجهتها، وكأنها تهرب من كل شيء.
. استقلت السيارة، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة طويلة، كأنها تستعيد الهواء الذي سُلب من رئتيها طوال الدقائق الماضية. أخرجت هاتفها، واتصلت بوالدتها. وما إن سمعت صوتها حتى انهارت. _ شوفتي يا ماما خالد عمل إيه؟
نهضت فاتن سريعًا من مكانها، وقد انتفض قلبها على صوت بكاء ابنتها، وجلست تستمع إليها وهي تقص عليها ما حدث، وكل كلمة كانت تزيد النار اشتعالًا في صدرها. _ يعني اللي المفروض خطيبي طلب مني يوصلني وأنا رفضت، يقوم يركبني مع واحد معرفوش؟ غير إن سمعته زبالة زيه!
أغمضت فاتن عينيها لحظة، وكأنها تحاول أن تستوعب ما فعله ابنها. _ اهدي يا حبيبتي... امسحي دموعك. إنتِ فين دلوقتي؟ _ راكبة العربية، مستنية لما تخلص. _ طيب يا حبيبتي متزعليش نفسك. أكيد هو مايقصدش يضايقك... يلا استعدي لشغلك، وأنا هتصرف مع خالد. _ حاضر يا ماما.
أغلقت فاتن الهاتف، وظلت للحظات تنظر أمامها بصمت، ثم وضعت كفها فوق صدرها، وكأن الغضب أثقل قلبها. _ ليه يا ابني كده؟... ليه؟ بعد فترة دلفت جيهان إلى الغرفة دون استئذان. رفعت فاتن عينيها إليها بضيق: _ إنتِ إزاي تدخلي كده من غير ما تخبطي؟
قهقهت جيهان بسخرية،وهي تستدير لتخرج: _ وأنا هخبط ليه؟ نايمة مع جوزك، ما أنا عارفة إنك لوحدك... قال أخبط! المهم ام عبد الرحمــــــــن برة، معرفش بتحلم بينا ولا ايه قالتها، خرجت دون أن تنتظر ردًا. ظلت فاتن ترمقها بنظرات غاضبة، ثم زفرت بضيق، وأسندت يدها إلى طرف الفراش قبل أن تتجه إلى خزانتها، وتسحب عباءتها.
في الخارج، جلست جيهان في مواجهة حسناء على الأريكة، تهز ساقها بلا مبالاة، وعلى شفتيها ابتسامة ناعمة تخفي خلفها شيئًا لم تطمئن إليه حسناء. فقالت : _ ماقولتيش يا خالتي، إيه خير على الصبح كده؟ إنتِ حلمتي بينا ولا إيه؟
ابتسمت حسناء مجاملة: _ أبدًا يا بنتي، حماتك كلمتني وعايزة نشرب الشاي مع بعض. رفعت جيهان حاجبها: _ قولتيلي حماتي؟ آه آه... عرفت. ثم اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها: _ والله يا خالتي أنا مش عارفة أقولك إيه، بس ماتزعليش مني... كل شيء قسمة ونصيب.
عقدت حسناء حاجبيها، وقد بدأ القلق يتسلل إليها. _ تقصدي إيه يا بنتي؟ اقتربت جيهان وجلست إلى جوارها، ثم قالت بنبرة تبدو حنونة، لكنها كانت تحمل بين طياتها سمًّا بطيئًا: _ بصي، ربنا عالم أنا بعزك إزاي، إنتِ والباشمهندس عبد الرحمن...
بس سمعت إن حماتي بتقول لخالد: "إنت هتوافق كده من غير ما نملي شروطنا عليهم؟ لازم نطلب ونطلب. بنتنا أجمل بنت في الحتة، وهو حِياله ميكانيكي، وكمان مالوش لا شقة ولا غيره، ده عايل بيته كمان." اتسعت عينا حسناء قليلًا، لكنها ظلت صامتة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.