طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

خطا نحوها ببطء، وقلبه يصرخ باسمها قبل أن ينطق به لسانه. لماذا ما زال قلبه ينبض لها؟ أبعد كل هذه السنوات، ما زال ينبض؟ توقف أمامها عاجزًا عن قول شيء، ثم خرج صوته خافتًا، يخشى أن يكون مجرد سماع صوته كفيلًا بتحطيمها: _ عاملة إيه؟

رفعت عينيها إليه. وليتها لم تفعل. ليت الله أخذ منها نعمة البصر في تلك اللحظة، حتى لا ترى تلك العينين مرة أخرى... العينين اللتين قضت ليالي طويلة تتخيلهما، وتنتظر عودتهما، وتبكي لأنهما لم تعودا إليها.

شعرت أن قلبها قد جُرّد من كل ما تبقى له من رحمة. هزّت رأسها فقط، فقد خانها صوتها، ولم تستطع أن تمنحه حتى كلمة واحدة، لكن عينيها خانتاها. تعلقتا بالصغيرة بين ذراعيه. راحت تتأملها بصمت، ثم انتقلت عيناها إلى وجهه من جديد، وكأن قلبها، رغم كل ما حدث، أصرّ على سرقة لحظة أخيرة من الرجل الذي أحبته.

تأملت ملامحه طويلًا... وسامته التي لم تتغير، بل ازدادت نضجًا وجاذبية، ذقنه الخفيفة التي زادت ملامحه رجولة، وهيئته التي أخبرتها دون سؤال أنه عاش حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشتها هي... حياة اكتملت. بينما حياتها توقفت عنده.

_ خديجة... خرج اسمها من بين شفتيه كأن مجرد نطقه أوجعه. انحدرت دمعة أخرى على خدها. كانت تعد الليالي لعودته... كانت تدعو أن يجمعهما الله يومًا... كانت تتخيل تلك اللحظة ألف مرة. لكنها، الآن، حين عاد أخيرًا.

.. تمنت لو أن الطريق ظل طويلًا، ولو أن المسافات لم تنتهِ، ولو أنها لم تره أبدًا. كرر بصوت أكثر ارتباكًا: _ خديجة... رفعت عينيها إليه، وفيهما سؤال مرتجف، سؤال واحد كانت تخشاه أكثر من أي شيء: ــ هل ستتركني أم سترحمني؟

نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم سألت بصوت خرج مكسورًا: _ دي بنتك؟ تجمّد لسانه للحظة، ونظر إلى الصغيرة... وقبل أن يضيف كلمة، رفعت الصغيرة يدها وضــ,,ـــــربته بخفة على خده، ثم قالت ببراءة الأطفال: _ بابي... سيليا عايزة أمشي. أوف، هنا دوشة.

.. فين مامي؟ توقفت أنفاس خديجة. نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم إليه، ثم عادت إلى الصغيرة، وكأنها تحاول أن تستوعب الحقيقة التي ينكرها قلبها. _ أيوة، سيليا... ارتعشت شفتاها، وانفجرت دموعها دفعة واحدة، بلا قدرة على إيقافها.

شعرت بقلبها يضــ,,ـــــرب بعنــ,,ـــــف داخل صدـ,,ـــرها، حتى خُيّل إليها أنه يحاول الخروج من بين ضلوعها هربًا من ذلك الوجع. تمتمت، بتقطع، كأن الكلمة انتُزعت من أعماق جرحها: _ بنتك... نظر إليها، ثم قال بصوت خافت: _ أيوة... سيليا عبدالرحمن سلطان الديب. كان اسمها كافيًا ليسقط آخر ما تبقى من قدرتها على التماسك.

اسودّت الدنيا أمام عينيها. تلاشت الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى وجهه... وطفلته... ترنحت خطواتها، وخذلتها ساقاها، فامتدت يدها دون وعي تستند إليه. اقترب منها مذعورًا: _ خديجة! لكنها لم تسمعه... أو ربما سمعته، لكنها لم تعد تملك قلبًا قادرًا على سماع المزيد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
سو

سيلا وليد موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
19مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

غيث وغفران روايات

غيث وغفران

غيث بصوت عالي جدا هز اركان المكان من حوله انت بتقول اي يا بابا بقى أنا غيث الشناوي أتجوز ط…

سيلا وليد 0.0 25 دقائق
اعادت لي شبابي روايات

اعادت لي شبابي

.. انت بتقولي ايه يا أمي اتجوز مين ملك مين بنت هند اللي لو كنت اتجوزها كانت ملك دي هتبقى ب…

سيلا وليد 0.0 26 دقائق