طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

.. وقبل أن يضيف كلمة، رفعت الصغيرة يدها وضــ,,ـــــربته بخفة على خده، ثم قالت ببراءة الأطفال: _ بابي... سيليا عايزة أمشي. أوف، هنا دوشة... فين مامي؟ توقفت أنفاس خديجة. نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم إليه، ثم عادت إلى الصغيرة، وكأنها تحاول أن تستوعب الحقيقة التي ينكرها قلبها.

_ أيوة، سيليا... ارتعشت شفتاها، وانفجرت دموعها دفعة واحدة، بلا قدرة على إيقافها. شعرت بقلبها يضــ,,ـــــرب بعنــ,,ـــــف داخل صدـ,,ـــرها، حتى خُيّل إليها أنه يحاول الخروج من بين ضلوعها هربًا من ذلك الوجع. تمتمت، بتقطع، كأن الكلمة انتُزعت من أعماق جرحها: _ بنتك... نظر إليها، ثم قال بصوت خافت: _ أيوة.

.. سيليا عبدالرحمن سلطان الديب. كان اسمها كافيًا ليسقط آخر ما تبقى من قدرتها على التماسك. اسودّت الدنيا أمام عينيها. تلاشت الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى وجهه... وطفلته... ترنحت خطواتها، وخذلتها ساقاها، فامتدت يدها دون وعي تستند إليه.

اقترب منها مذعورًا: _ خديجة! لكنها لم تسمعه... أو ربما سمعته، لكنها لم تعد تملك قلبًا قادرًا على سماع المزيد. همست بصعوبة، والحروف تتكسر بين شهقاتها: _ مبروك. ثم أغمضت عينيها بقوة. لم تكن تريده أن يرى دموعها. لم تكن تريده أن يرى أنها ما زالت تحبه.

ولم تكن تريد لنفسها أن تعرف أنها، رغم كل ما مرّ بها، لم تتخطّه يومًا. سحبت يدها من يده بسرعة، وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع: _ بعد إذنك. ثم استدارت. تحركت نحو منزل والدتها بخطوات متعثرة، تحمل جسدًا أنهكه الوقوف وقلبًا لم يعد يحتمل نبضة أخرى.

فتحت الباب بيد ترتجف. دلفت... ثم أغلقته خلفها بصعوبة. وبمجرد أن أُغلق الباب... انهارت. هوت بجسدها خلفه، كأن كل القوة التي تظاهرت بها أمامه لم تكن سوى خيط واهن انقطع أخيرًا. وضعت كفيها فوق صدـ,,ـــرها، وانكمش جسدها وهي تبكي... تبكي كما لم تبكِ من قبل.

سنوات من الانتظار... سنوات من الدعاء... سنوات من الأمل... انفجرت دفعة واحدة. شهقت حتى اختنق صوتها، وضغطت على صدـ,,ـــرها، تحاول أن تمنع قلبها من التمزق. _ آآآه... خرجت صرختها ممزقة، حادة، محملة بكل ما عجزت عن قوله أمامه. ثم شهقت مرة أخرى، ودفــ,,ـــــنت وجهها بين كفيها، وارتفع بكاؤها أكثر.

كانت تبكي الرجل الذي أحبته... وتبكي السنوات التي انتظرته فيها... وتبكي نفسها، لأنها انتظرته بكل نبضة قلب. ولكن حين عاد أخيرًا، وجدته أبًا لطفلة ليست لها. كانت تلك اللحظة هي المرة الأولى التي تتمنى فيها خديجة بصدق... لو أنها لم تحبه يومًا.

استمعت والدتها إلى صوت بكائها، فرفعت يدها المرتجفة، تحاول أن تنطق، لكن الكلمات خرجت متقطعة ضعيفة: _ ديجة... التفتت خديجة إليها على الفور، وما إن استمعت إلى صوت أمها حتى نهضت سريعًا، ومسحت دموعها بعجلة، تخشى أن ترى والدتها حزنها. ألم تعلمي يا عزيزتي أن الأم تشعر بابنتها دون أن تنطق؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
سو

سيلا وليد موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
19مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

غيث وغفران روايات

غيث وغفران

غيث بصوت عالي جدا هز اركان المكان من حوله انت بتقول اي يا بابا بقى أنا غيث الشناوي أتجوز ط…

سيلا وليد 0.0 25 دقائق
اعادت لي شبابي روايات

اعادت لي شبابي

.. انت بتقولي ايه يا أمي اتجوز مين ملك مين بنت هند اللي لو كنت اتجوزها كانت ملك دي هتبقى ب…

سيلا وليد 0.0 26 دقائق