ظلت فاتن ترمقها بنظرات غاضبة، ثم زفرت بضيق، وأسندت يدها إلى طرف الفراش قبل أن تتجه إلى خزانتها، وتسحب عباءتها. في الخارج، جلست جيهان في مواجهة حسناء على الأريكة، تهز ساقها بلا مبالاة، وعلى شفتيها ابتسامة ناعمة تخفي خلفها شيئًا لم تطمئن إليه حسناء.
فقالت : _ ماقولتيش يا خالتي، إيه خير على الصبح كده؟ إنتِ حلمتي بينا ولا إيه؟ ابتسمت حسناء مجاملة: _ أبدًا يا بنتي، حماتك كلمتني وعايزة نشرب الشاي مع بعض. رفعت جيهان حاجبها: _ قولتيلي حماتي؟ آه آه... عرفت.
ثم اقتربت منها قليلًا، وخفضت صوتها: _ والله يا خالتي أنا مش عارفة أقولك إيه، بس ماتزعليش مني... كل شيء قسمة ونصيب. عقدت حسناء حاجبيها، وقد بدأ القلق يتسلل إليها. _ تقصدي إيه يا بنتي؟ اقتربت جيهان وجلست إلى جوارها، ثم قالت بنبرة تبدو حنونة، لكنها كانت تحمل بين طياتها سمًّا بطيئًا: _ بصي، ربنا عالم أنا بعزك إزاي، إنتِ والباشمهندس عبد الرحمن.
.. بس سمعت إن حماتي بتقول لخالد: "إنت هتوافق كده من غير ما نملي شروطنا عليهم؟ لازم نطلب ونطلب. بنتنا أجمل بنت في الحتة، وهو حِياله ميكانيكي، وكمان مالوش لا شقة ولا غيره، ده عايل بيته كمان.
" اتسعت عينا حسناء قليلًا، لكنها ظلت صامتة. فأكملت جيهان الى أن قالت حسناء _ ليه يا بنتي؟ هو عبد الرحمن وحش؟ ده أي بنت في الدنيا تتمناه. ثم ضحكت بخفة: _ آه والله يا خالتي، أنا مستخسراه يتجوز من الحتة دي أصلًا.
ما تشوفي له بنت من بنات الأكابر، يستاهل واحدة منهم... ده كفاية عيونه العسلي، هدوبهم كلهم! لم تعرف حسناء لماذا شعرت بالنفور منها. لم تكن تعرفها من قبل، ولم يحدث بينهما ما يبرر ذلك الشعور، لكن كلماتها بدت لها كااسم في العسل وقبل أن ترد، وصلت فاتن، وألقت السلام.
_ يا دي النور! نورتي يا أم عبد الرحمن. نهضت حسناء مرحبة بها بابتسامة صادقة: _ البيت منور بأهله. عاملة إيه يا أم خالد؟ _ الحمد لله يا حبيبتي. ثم التفتت فاتن إلى جيهان: _ ضيفتي خالتك أم عبد الرحمن يا جيهان. _ لا يا حبيبتي، مش عايزة حاجة.
اقعدي بس، من زمان ماقعدناش مع بعض. جلست فاتن إلى جوارها: _ مشاغل والله يا فاتن. إنتِ عارفة عمر ثانوية عامة، وعبد الرحمن بيطلع من الصبح ما بيرجعش غير بالليل. ابتسمت فاتن: _ ربنا يبارك لك فيهم يا رب.
ثم التفتت إلى جيهان: _ قومي اعملينا شاي يا بنتي. ابتسمت جيهان ونهضت: _ عيوني يا ماما. دلفت إلى الداخل، بينما ظلت فاتن تراقبها حتى اختفت عن أنظارها. ثم التفتت إلى حسناء وقالت بنبرة صادقة: _ اعذريني إني بعت لك، ما بقدرش أمشي... يخرب بيت السكر وسنينه، وكمان الضغط، يكفيكي شره.
ربتت حسناء على يدها: _ ولا يهمك يا حبيبتي، إحنا أخوات. ومتأكدة إنك لو تقدري مش هتتأخري. ابتسمت فاتن: _ ربنا يكرم أصلك. ثم ساد صمت قصير، قبل أن تقول فاتن بجدية: _ بصي يا ست أم عبد الرحمن... اللي أوله شرط آخره نور.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.