.. رفع عينيه إلى الأنوار، ولم يتحرك. أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها. وضعت يدها على صدرها، وهمست: – يا رب يعوض عليك يا حبيبي... بالأحسن منها، ويجبر قلبك. بينما هو لم يفكر طويلًا. ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه.
.. ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة. أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هنا. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت: – يا رب... عدي الليلة دي على خير. أما هو... فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه.
وصل إلى مسامعه صوت المأذون: – بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. – مبروك يا عرسان! – ربنا يسعدكم! – ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا. واقفًا كالغريب وسط الجميع... رفع عينيه ببطء... فرآها. العروس.
.. في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن... أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها... توقفت عن الابتسام... ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها. وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن.
.. سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة... ولا موسيقى... ولا زغاريد. فقط هو... هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به: – عبد... الرحمن... تجمد هو الآخر... وتعلقت العينان ببعضهما البعض.
نظر إليها وداخله يصرخ: إن كانت قد اختارت غيره... فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟ "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" توقّف عبدالرحمن عن السير، وكأن قدميه خانتاه فجأة، واستدار إليها. رفع عينيه نحو خديجة، وكانت نظراته إليها كافية لأن تق. تلها لو كانت النظرات تق.
تل... نظرات رجل رأى أمام عينيه آخر ما كان يتمنى أن يراه. لقد أصبحت ملكًا لغيره. هل يُعقل؟! بالأمس فقط كانت تلهو معه بالعشق، وكانت كلماته تجد طريقها إلى قلبها، واليوم أصبحت زوجة لرجل آخر! اشتعلت الأسئلة في رأسه رغمًا عنه... هل ستنام الليلة بين ذراعيه؟
هل سيغازلها بالكلمات التي كان يظن يومًا أنها خُلقت له؟ هل سيناديها باسمها بذلك الحنان الذي كان يختبئ خلفه شوقه كله؟ هل سيقول لها: خديجتي؟ ابتلع غصته بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بعينيها اللتين طالما مات فيهما عشقًا. لكنه لم يرَ دموعها. أو ربما رآها... ورفض أن يصدقها.
كان قد رسم في رأسه صورة أخرى لها، صورة قاسية لا تشبهها؛ خديجة سعيدة بزواجها، سعيدة لأنها ستصبح سيدة قصر، كما سمع من البعض. فأقنع نفسه أن تلك السعادة هي السبب في أنها تركته بهذه السهولة. رأته جيهان، فلكزت خالد بمرفقها وأشارت بعينيها نحوه.
التفت خالد إليه... وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليه، شعر بشيء يقبض على قلبه حتى كاد يخنقه. لأول مرة يرى عبدالرحمن بهذه الصورة. واقفًا بينهم بجسدٍ حاضر، وروحٍ تبدو كأنها تُنتزع أمام عينيه. ثم التقت عيناه بخديجة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.