أما خديجة، فبقيت ملتصقة بالجدار، تحاول أن تستوعب الكارثة التي سقطت فوق رأسها دفعة واحدة. ❈-❈-❈ مر يومان... يومان ثقيلان كأنهما عامان. وما زالت فاتن حبيسة غرفة العناية المركزة، تتشبث بالحياة خلف ذلك الباب المغلق، بينما ازدحمت أروقة المشفى بالأقارب والأحباب. لكن فاتن لم تكن تشعر بأحد.
وخديجة... كانت تجلس بالساعات أمام باب العناية، بعينين ذابلتين من كثرة البكاء، لا تعرف أيهما يؤلمها أكثر؛ خوفها على أمها، أم الخوف من اليوم الذي قد تضطر فيه إلى خسارة حبيبها. وفي الخارج، كان خالد يتحدث إلى جيهان قبل أن يغادر: ـ جيهان، هنزل الشغل ساعتين.
خلي بالك من ماما، وعينك على خديجة. وأضاف بلهجة صارمة: ـ ولو اللي اسمه عبد الرحمن ده ظهر هنا... ممنوع يقرب منها. فاهمة؟ أومأت جيهان بصمت، بينما انصرف خالد. ❈-❈-❈ وبعد ساعات... في الورشة... كان عبد الرحمن منهمكًا في إصلاح إحدى السيارات، بينما وقف خالد إلى جواره يرش بعض السيارات.
دخل أحدهم، وألقى السلام، ثم اقترب من خالد: ـ ألف سلامة على والدتك يا خالد. ـ الله يسلمك يا أستاذ مازن. ـ عرفت اللي حصل، ومراتي راحت تزورها، وزعلانة على خديجة أوي. هي عاملة إيه؟ خفض خالد عينيه للحظات: ـ زعلانة على أمها والله.
هز مازن رأسه بأسى: ـ آه والله... ربنا يشفيها ويقومها بالسلامة. ثم ابتسم وقال: ـ خديجة أختك دي نوارة المكان... أدب وجمال وأخلاق. ربنا يرزقها بابن الحلال. الصراحة البنت خسارة تقعد في مكان زي ده. لو لي ولد، مكنتش هسيبها أبدًا. ضحك خالد وقال: ـ خلاص.
.. نصيبها جه يا أستاذ مازن. ـ والله؟ ألف مبروك يا ابني! متنساش تدعينا على الفرح. لم يسمع عبد الرحمن سوى كلمات متقطعة: "خديجة... نصيبها جه... ألف مبروك." توقفت يده عن الحركة. رفع رأسه ببطء، لكن علي كان قد اتجه إلى السيارة التي أصلحها. ـ أستاذ مازن، العربية خلصت.
اقترب الرجل منه وربت على كتفه: ـ تسلم يا عوف، إيدك تتلف في حرير يا ابني. ـ الله يكرم أصلك يا أستاذ مازن. غادر الرجل الورشة، وعاد الصمت بين عبد الرحمن وخالد. ظل عبد الرحمن واقفًا للحظات، ثم التفت إليه: ـ خالتي فاتن عاملة إيه؟
أجابه خالد دون أن ينظر إليه: ـ كويسة. ثم اتجه نحو إحدى السيارات. راقبه عبد الرحمن لحظة، قبل أن يتمتم: ـ خالد... توقف خالد، والتفت برأسه فقط: ـ نعم؟ اقترب عبد الرحمن منه حتى وقف أمامه مباشرة. ـ مفيش حاجة حصلت من الكلام اللي سمعته. مقدرش أضر خديجة بأي سوء.
صمت لحظة، ثم تابع بصوت أكثر اضطرابًا: ـ خديجة كلمتني... لما أنتَ... رفع خالد يده في وجهه، قاطعًا كلامه: ـ مش عايز أسمع حاجة يا عبده. رمقه عبد الرحمن بذهول: ـ إيه؟ ـ ابعد عننا... ربنا يسهل لكَ. ظل عبد الرحمن ينظر إليه لثوانٍ، وكأن عقله يرفض تصديق ما يسمعه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.