توقف أمامها، وثبّت نظره عليها، ثم خرج صوته حادًّا كالسيف: _ أنتِ بتقولي إيه؟ ارتبكت للحظات، لكنها سرعان ما تماسكت، ورفعت الهاتف في وجهه، قائلة بصوت مرتجف من الغضب: _ بتنكر؟! لو مش مصدقني، شوف الصور بنفسك! أنا كنت عارفة إنك هتكذبني! اشتعلت عيناه، وقاطعها بصوت هادر: _ اخرسي!
ثم اقترب منها خطوة، وأضاف من بين أسنانه: _ أنا مش مستني منك إنك تعرفيني أخلاقي! التفت إلى التجمع المحيط بهم، وقد بدا الغضب على ملامحه، لكن صوته ظل ثابتًا، يحمل وجع رجل وجد نفسه مضطرًا للدفاع عن شيء لم يتخيل يومًا أن يُمسّ: _ إيه؟
صدقتوها؟! يعني أنا واحد بتاع كده؟! ثم أشار بيده نحو خديجة، التي كانت تقف شاحبة، عاجزة عن استيعاب ما يحدث. _ ودي... إزاي تظنوا فيها كده؟! إزاي مجرد صورة خلتكم تنسوا مين هي ومين أنا؟! عاد ببصره إلى جيهان، وكانت نظراته هذه المرة أشد قسوة، كأنها تحاول اختراق كذبها: _ أنا مش هرد عليكي.
.. مش علشان مش قادر، علشان لو فضلت واقف أناقشك في حاجة زي دي، هقلل من نفسي. استدار حول الواقفين، يحاول أن يستعيد أنفاسه، ثم قال: _ خالتي فاتن وقعت من طولها، وخديجة كلمتني أجيب لها دكتور، بعد ما أخوها ما ردش عليها. وأكيد فيه منكم اللي شاف الدكتور داخل معايا.
هز أحد الرجال رأسه سريعًا، وقال: _ أنا فعلًا شوفت عبد الرحمن وهو داخل، وسألته، قالي إن خالتي فاتن تعبانة. والله يا باشمهندس أنا ما صدقت اللي اتقال، وممكن الست جيهان تكون فهمت غلط. التفت إليه عبد الرحمن، وقال بهدوء أكثر إيلامًا من الصراخ: _ فيه حاجات مينفعش نفكر فيها صح ولا غلط.
.. فيه حاجات مجرد إنك تفكر فيها في حد محترم، تبقى ظلمته. ثم اتجه نحو جيهان بخطوات واسعة، حتى وقف أمامها مباشرة، وغرس عينيه في عينيها: _ ولما أنتِ خايفة على حماتك بالشكل ده... مش كان الأولى تكوني جنبها بدل ما تكوني واقفة هنا بتتكلمي على الناس؟
قال أحدهم: _ بس ليه خديجة تتصل بيك أنتَ؟ اعذرنا يا ابني، مش بنشكك في أخلاقك، بس بنسأل. أجاب دون تردد: _ علشان خديجة خطيبتي. تعالت همهمات خافتة، فتابع بثبات: _ طلبت إيدها من أسبوع، والنهارده كنا بنجيب الدبل، وناويين نكتب الكتاب قريب.
لو شايفين إن البنت لما تتعب أمها وتحتاج دكتور، تستنجد بخطيبها عيب أو حرام... احكموا إنتوا. شهقت جيهان، وقاطعته بحدة: _ محصلش يا عبد الرحمن! أنتَ طلبت إيدها آه، بس إحنا رفضناك! سقطت كلماتها كحجر في بئر عميق.
طالعها بصمت مريب، وهو ثابت في مكانه، وكأن الجملة أصابته في موضع لم يكن مستعدًا أن يُمسّ أمام الناس. انقبض فكه، وتشنجت أصابعه حتى ابيضّت مفاصلها، وضغط على شفتيه بقوة، يكبح غضبًا كان على وشك أن يفلت منه. كان يستطيع أن يرد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.