اقتربت منها خديجة وانحنت أمامها، محاولة أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها. _الجميل بيعيط ليه؟ رفعت الصغيرة عينيها إليها، فازدادت شهقاتها. _عايزة بابا... بابا. تبدلت ملامح خديجة قليلًا، وجلست على ركبتيها أمامها، ثم أمسكت كفيها الصغيرتين بين يديها، وراحت تقبلهما بحنان. _طب بابا فين اشارت بيدها الصغيرة الى كل الاتجاهات،بضياع.
.. مسحت خديجة دموعها ثم نظرت اليها باابتسامة حنونة _ الجميلة اسمها إيه؟ _سيليا... بقلم سيلا وليد توقفت خديجة للحظة. _سيليا... _الله على جمال الأسم ابتسمت لها رغمًا عنها، وسألتها: _وبابا اسمه إيه يا سيليا؟ وقبل أن تجيب الصغيرة، جاءها صوت من خلفها.
.. صوتٌ تعرفه... صوتٌ لو مرَّ عليها وسط آلاف الأصوات، لعرفته. _سيليا... تجمدت خديجة.. لم تتحرك. كأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة. أما الطفلة، فما إن سمعت الصوت حتى رفعت رأسها، ثم أفلتت كف خديجة وركضت نحوه وهي تبكي: _بابا... بودي! تسارعت أنفاس خديجة.
لا...مستحيل. استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تصدق عيناها ما يخبرها به قلبها. كان هناك...عبد الرحمن. واقفًا خلفها، بأنفاسٍ متقطعة، وشعره مبعثر قليلًا، وملامحه تحمل آثار خوفٍ واضح... يبحث عن طفلته بجنون. خمس سنوات... خمس سنوات كاملة لم ترَ فيها وجهه.
خمس سنوات حاولت خلالها أن تقنع قلبها بأنه صار ماضيًا، وأن اسمه لم يعد يعني لها شيئًا. لكن قلبها...بمجرد أن رأته، فضح كل الأكاذيب التي أخبرتها بها طوال تلك السنوات. ركضت سيليا إليه، فانحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها بعصبية ممزوجة بالخوف.
_كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟ رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء: _الآنطي دي. ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته. _الآنطي دي؟ ثم استدار... وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها...توقف كل شيء.
لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه هي. خديجة. وقف ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها. تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي.
.. بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع. أما خديجة، فظلت واقفة مكانها. لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها. كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه.
ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه. ابنته.. ارتعشت شفتاها. وعاد بصرها إليه. التقت عيناهما من جديد... وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء. كل الوجع.. كل الاشتياق.
كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب. وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات. أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات... وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.