نظرت إليه بقلب يرتجف بالنبض. هل يسأل بالفعل؟ ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنه فهم صمتها بطريقة أخافته: ـ ممكن أسمعها منك؟ وقبل أن تجد كلماتها طريقًا إلى شفتيها، جاء صوت جيهان من خلفهما، كالسوط: ـ ياااه... ده إيه التربية دي يا ست خديجة؟
! أمك بتمو/ت وإنتوا واقفين هنا في أح/ضان بعض؟! التفتت خديجة بفزع، وقبل أن تستوعب ما حدث، أمسكت جيهان بذراعها وسحبتها بعيدًا عنه. ـ امشي من هنا يا ابن الناس! أمك بتقول إنك محترم! لم يلتفت عبد الرحمن إلى إهانتها.
لم يهتم... كانت عيناه على خديجة وحدها. تقدم، وأمسك بذراعها برفق ليحررها من قبضة جيهان، ثم قال لها بصوت ثابت يخفي غضبًا هائلًا: ـ عارفة لو مش في الظروف دي... كنت رديت عليكي. ثم تركها، واتجهت عيناه إلى خديجة. وفجأة تبدلت ملامحه.
هدأ كل شيء فيه أمام دموعها. اقترب منها قليلًا، وقال بصوت خافت: ـ خلي بالك من نفسك. تعلقت عيناها به. ـ وعلشان خاطري... بلاش تعيطي. ارتجف صوته: ـ دموعك بتحرقني يا خديجة. قالها وهو ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأنه لا يريد أن يتركها، قبل أن يجبر نفسه على الابتعاد.
أما جيهان... فبقيت واقفة في مكانها، تحدق فيهما، وقد اشتعلت في صدرها نيران الغيرة. وغيرتها تهمس لها بالنيران: ماذا بها ليعشقها هكذا؟ إنه يذوب بها عشقًا... ظلت تتابع نظراته لخديجة، وآه من نظراته التي لم يمنحها عبد الرحمن لأحد سوى خديجة؛
نظرة رجل بدا وكأن العالم كله يسقط من حوله، ولا يبقى في عينيه إلا حبيبته. تحرك عبد الرحمن بضع خطوات، لكن شيئًا ما بداخله أجبره على التوقف فجأة. استدار ببطء... فوجد عيني خديجة معلقتين به. كانت تتابعه بدموع صامتة، تحمل في نظراتها رجاءً موجعًا؛
كأنها تتوسل إليه دون كلمة واحدة: لا تتركني. تعلقت عيناه بعينيها، وبقي الاثنان للحظات طويلة عاجزين عن الحركة، كأن كل ما بينهما من حب وعتاب وخوف اختصرته تلك النظرة. لم يحتج أي منهما إلى الكلام...
فهي كانت تقول له بعينيها إنها ما زالت تريده، وهو كان يقرأ في عينيها ما يكفي ليحطم قلبه. لكن يد جيهان سحبتها من ذراعيها، وأجبرتها على التحرك. تحركت خديجة معها، إلا أن عينيها ظلتا معلقتين به حتى غاب عن ناظريها.
وحين اختفى عبد الرحمن عن بصرها، شعرت وكأن شيئًا انتُزع من صدرها. تحركت بخطوات ثقيلة إلى أن وصلت إلى خالد ومروان. رفع خالد عينيه إليها، وقال بنبرة متعمدة الهدوء: ـ أستاذ مروان هينقل ماما، وهتعمل العملية.
نظرت إليه خديجة، ثم إلى مروان، ولم تجد في حلقها سوى كلمة واحدة: ـ شكرًا... أمسك خالد بذراعها، وأبتعد بها قليلًا، ثم قال بصوت خافت لكنه قاطع: ـ اسمعيني كويس... قبل ما ننقل ماما، مروان مستعد يوديها تعمل العملية في أي مكان في العالم.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.