همست بصوتٍ مرتعش: _عبد الرحمن... استدار إليها بنصف جسده، فتعلقت عيناه بعينيها، اللتين تجمعت فيهما الدموع. تغيرت ملامحه للحظة. هدأت غيرته، لكن وجعه ظل حاضرًا. _يلا يا خديجتي... ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: _ممكن اللي بعمله ده يكون عقاب ليكي، بس صدقيني... أنا بتعاقب أضعافه. ابتلعت غصتها.
_وعقابك ده علشان إيه؟ ثبت عينيه عليها. _علشان متديش فرصة لأي حد، أيًّا كان، إنه يقرب من مملكتي. انحنى قليلًا، يتأمل عينيها اللتين هربتا إلى الأرض. ثم قال بصوتٍ امتزج فيه العشق بالغيرة: _إنتِ مملكتي الخاصة يا خديجة... واللي يقرب منها، مش هاضمن رد فعلي.
رفعت عينيها إليه، فوجدته قريبًا إلى الحد الذي أربك نبضها. فقالت بصوتٍ خافت يحمل عتابًا موجعًا: _هتمشي؟ ولا هتفضل تبرر الغلط؟ ثم أضافت، وكأنها تذكره بما يؤلمها أكثر: _افتكر إنّي خُنت ثقة أمي. استدار عنها حتى لا يرى الحزن في عينيها، وحتى لا يضعف أمام نبرة صوتها.
ثم مد يده إلى الخلف، وأمسك بكفيها، وسحبهما برفق وأحاطا بخصره. _امسكي جامد. تجمدت للحظة.. وانتفض جسدها بالكامل من فعلته _عبد الرحمــــــــن لو سمحت مينفعش كدا؟ ردَّ دون أن يلتفت إليها، بينما قبضت يداه على مقود الدراجة بثبات: _امسكي كويس، مش هاكلك.
.. علشان متقعيش. ولازم تتعودي على كده. أغمضت عينيها، وما إن تحرك فجأة حتى اندفع جسدها إلى الخلف، ثم للأمام فارتطمت به دون إرادة منها، واضطرت أن تُريح جبهتها على ظهره، بينما تشبثت أصابعها بقميصه في ارتباك ظل يقود بصمت، والهواء يصفع وجهه، بينما الغيرة تعصف برأسه بع.
........نف. يعلم أنه أخطأ.. بل يعلم أن ما فعله جرحها. لكنه لم يعرف كيف يسيطر على ذلك الشعور المجنون الذي اشتعل داخله منذ أن رآها تركب مع رجل آخر... لم يحتمل الفكرة، ولم يحتمل أن يرى غيرته ضعيفة أمام عينيها، فخرجت منه الق........سوة بدلًا من الاعتراف بالخوف..
وصل إلى شاطئ البحر. أوقف الدراجة، وترجل عنها سريعًا، ثم ابتعد بضع خطوات، تاركًا لها مساحة. لكنها ظلت مكانها.. لم تتحرك. كانت تحدق في البحر بعينين جامدتين، و أخرج هاتفه، وزفر زفرة طويلة قبل أن يجري اتصالًا.
وما إن أتاه صوت فاتن حتى قال: _إزي حضرتك يا ست الكل؟ _أهلا يا ابني، عامل إيه؟ _الحمد لله... ماما كلمتني، وقالت لي على اللي دار بينكم. وأنا موافق على كل شروطك يا أمي. ارتجف قلب فاتن فرحًا، وكأن كلماته أكدت لها ما كانت تتمناه منذ البداية.
_بجد يا عبد الرحمن؟ ابتسم رغم توتره: _هاخد خديجة ونجيب الدبل، ويوم الجمعة بإذن الله هنلبسها ونكتب الكتاب. ضحكت فاتن بحنان، ثم قالت: _والكلام ده ينفع يا عبد الرحمن في التليفون يا ابني؟ _آسف يا أمي، بس عايز أنجز.
.. وهي معايا دلوقتي. قولت نعدي على الصايغ ونجيب الدبل. صمت لحظات فاستمع الى صوت فاتن: _معلش يا ابني، ليها أخ كبير. لازم تقعد معاه وتتفقوا، مينفعش كده. ده أنت ابن أصول، وإحنا مش هنمشي حاجة من ورا أخوها. مرر عبد الرحمن كفه في شعره بعصبية، وأغمض عينيه لحظة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.