لازم تدفع زي ما إحنا دفعنا وعلمناها. اعتدلت، ورمقت فاتن بنظرة ساخرة، ثم خرجت من الغرفة. _ كفاية يا خالد! قالتها فاتن بصوت ضعيف لم يصل سوى لجيهان، لكنه خرج محملًا بكل ما تبقى فيها من قوة.
التفتت جيهان إليها قبل أن تخرج، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، وقالت بشماتة: _ كفاية ليه؟! خليها تتعلم الأدب. فاكرة إن اللي عملته هيتدفن والناس هتنسى؟! لأ... خليها تدوق شوية من اللي تستاهله. عندها انهمرت دموعها، وحاولت الاعتدال.
وضعت يدها على الفراش، وتشَبثت بطرفه، ثم نهضت بصعوبة، وكأن جسدها المنهك يرفض أن يطاوعها. لم تكن تفكر في نفسها... كانت تريد إنقاذ ابنتها. خطت خطوة، ثم أخرى، حتى وقعت عيناها على هاتف خديجة الموضوع بالقرب منها.
مدت يدها إليه بصعوبة، والتقطته، واستندت بجسدها إلى الجدار، وهي تلهث من شدة ما بذلته من جهد. شعرت بألم يفتك بصدرها، ورغم ذلك لم تهتم. بحثت عن الرقم بأصابع مرتجفة، ثم ضغطت زر الاتصال. لحظات... وجاءها صوته: _ نعم يا خديجة؟ مامتك كويسة؟ أغمضت فاتن عينيها، وارتجفت شفتاها. _ عبد الرحمن...
أجاب عبد الرحمن بصوت مذعور: _ خالتي فاتن؟ حضرتك كويسة؟ حاولت الإجابة، لكن أنفاسها خانتها، كما خانها جسدها. _ خد... يجة... ثم انقطع كل شيء. سقط الهاتف من يدها، وهوى جسدها إلى الأرض، غارقة في ظلام دامس. في الخارج، سحبت جيهان خالد بعيدًا عن خديجة.
_ قلتلك كفاية! مش عايزين فضايح! لازم تخرس أي حد يتكلم. نهضت خديجة بصعوبة، ودموعها تنساب على وجهها، ثم نظرت إلى جيهان بنظرة لم تحمل خوفًا، بل وجعًا واحتقارًا. _ أنتِ حرباية... وشيطانة. ربنا ينتقم منك. استدار خالد وصفعها بقوة.
تدلى وجهها إلى الجانب من شدة الصفعة، وبقيت للحظات لا تستوعب أن اليد التي لطالما احتمت بها يومًا، هي ذاتها التي آلمتها الآن. رفعت عينيها إليه ببطء. لم تبكِ هذه المرة... ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت: _ شكرًا... ارتجف صوتها: _ يعني هستنى منك إيه؟ أنتَ شكيت في أختك اللي أنتَ مربيها.
.. وصدقت كلام مراتك. مسحت دموعها بيد مرتعشة. _ أنا فوضت أمري لربنا فيك... وفي مراتك. توقف خالد للحظة. تسلل الندم إلى عينيه، وكأنه رأى للمرة الأولى حجم ما فعله. لكن جيهان أسرعت تقول: _ اتمسكني يا بت، علشان ما يعاقبكيش يا قليلة الأدب!
استدار إليها خالد بعصبية: _ جيهان... اخرسي! لكن خديجة لم تعد تسمع شيئًا. أزالت دموعها بعنف، ثم ركضت نحو الغرفة التي تركت فيها والدتها. فتحت الباب... وتوقفت. ثانية واحدة فقط. ثم خرجت صرختها، شقت سكون المنزل كله: _ مــــــــاماااااااااااااااااااا! كانت فاتن ملقاة على الأرض بلا حراك.
اندفعت خديجة إليها، وسقطت على ركبتيها، واحتضنت رأسها بين ذراعيها وهي تصرخ باكية: _ ماما! ماما ردي عليا! لكن فاتن لم تجب. هزت خديجة كتفيها بجنون: _ ماما، افتحي عينيكي... علشاني! ثم شهقت وهي تنظر إلى وجه والدتها الشاحب: _ ماما... ركض خالد على صراخ خديجة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.