بدت وكأنها ذبلت في يومين فقط؛ انطفأ بريق وجهها، وشحبت ملامحها، ولم يبقَ فيها سوى تلك البراءة التي لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزعها من روحها. اقترب منها بخطوات سريعة، وعيناه لا تفارقان وجهها: ـ خديجة... أنتِ كويسة؟
توقفت أمامه، لكن عينيها هربتا منه دون إرادة، واستقرتا على جيهان الواقفة إلى جوار مروان، تتلاعب بهاتفها. ثم عادت بنظرها إليه. ـ آه... أنا كويسة. اقترب عبد الرحمن أكثر، حتى أصبح أمامها مباشرة، وتأمل وجهها بعينين لم تستطيعا إخفاء قلقهما: ـ بس أنا مش شايف كده.
رفعت خديجة عينيها إليه... وليتها لم تفعل. فبمجرد أن التقت عيناها بعينيه، شعرت أن كل ما حاولت دفنه بداخلها خلال الساعات الماضية عاد دفعة واحدة. ظلت تنظر إليه طويلًا... تتشبث بتفاصيل وجهه، وكأنها تحفظه للمرة الأخيرة، وكأن عينيها تريدان أن تأخذا منه ما يكفيها من الذكريات لتعيش به بعده.
تأملت عينيها... ملامحه... حتى ارتجافة شفتيه وهو ينتظر إجابة منها. ثم ابتسمت. ابتسامة موجوعة، ربما كانت تودعه بها... حتى إذا تذكرها يومًا، لا يتذكر دموعها وانكسارها، بل يتذكر تلك الابتسامة التي منحته إياها وهي تخفي خلفها قلبًا ينهار.
ـ لا... أنا كويسة. شكرًا لسؤالك. جاء صوت جيهان من الخلف، باردًا، كأنه يتعمد تمزيق آخر خيط يجمعهما: ـ خديجة، قولي للبشمهندس إن كل شيء قسمة ونصيب... أصله مش مصدق. عقد عبد الرحمن حاجبيه، وانتقلت عيناه بينها وبين خديجة: ـ ليه مش مصدق؟ هو كان حصل حاجة في الأول؟
اتسعت عيناه، واقترب منها خطوة أخرى: ـ خديجة... أنتِ بتقولي إيه؟ ابتلعت غصتها، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، رغم أن كل حرف كان يمر فوق قلبها كحد السكين: ـ ربنا يسعدك مع اللي تستاهلك يا عبد الرحمن... مالناش نصيب مع بعض.
تجمد في مكانه، كأن الكلمات لم تصل إلى أذنيه دفعة واحدة، بل كانت تتساقط داخله ببطء، وكل كلمة منها تهدم شيئًا كان يظنه ثابتًا إلى الأبد. ـ مالناش نصيب...؟ كررها بصوت خافت، يحاول إقناع نفسه أن ما سمعه ليس حقيقيًا.
لكن جيهان لم تمنحه حتى فرصة لالتقاط أنفاسه: ـ عرفيه كمان إنك تستاهلي اللي يقدرك... مش ياخدك ويدفنك جنبه. اختنق صوت خديجة، وانخفضت عيناها للحظة، ثم عادت لتنظر إليه. كان الألم في عينيه أقسى من أن تحتمله. ـ زي ما قالت لكَ.
في لحظة، اندفع عبد الرحمن نحوها، وأطبق على ذراعيها بقبضة مرتجفة، لا تعرف إن كانت من الغضب أم الخوف: ـ بطلي هبل! ومتسمعيش كلام حد... بصيلي كده. اقترب بوجهه منها، يبحث في عينيها عن خديجة التي يعرفها: ـ قوليلي إن اللي بسمعه ده مش حقيقي.
ارتعشت شفتاها، لكنها لم تستطع الإجابة. فدفع مروان يده بعيدًا عنها واقترب منه: ـ إيه يا عبد الرحمن؟ مش مالي عينك؟ لكن عبد الرحمن لم يلتفت إليه حتى. كان كل عالمه قد انحصر في خديجة وحدها. أما هي، فرفعت عينيها إلى مروان، ثم إلى جيهان التي اقتربت منهما.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.