_بشمهندس، فيه واحدة برة عايزة تقابل حضرتك._مش فاضي يا أسماء، ابعتي لي الأستاذ فارس. بعد دقيقتين عادت أسماء:_الأستاذة اللي برة مش راضية تمشي، مصرة تقابلك. تأفف بضجر، وتناول فنجان قهوته، ثم نظر إلى ساعته._خليها تدخل، قولي لها خمس دقايق بس.
اتجه إلى النافذة الزجاجية، ينظر إلى البحر، وفنجان قهوته بين يده. استمع إلى خطوات تقترب من داخل مكتبه، فاستدار وهو يقول:_عايزة...توقف عن الحديث حين رآها أمامه. لحظات مرت أمامه كمشاهد من حياته كلها، وكأن شاشة سينمائية عُرضت فجأة أمام عينيه.
ارتبك للحظات، وضاقت أنفاسه، حتى شعر بأن ساقيه لم تعودا تحملانه، فاتجه إلى الكرسي وجلس، محاولًا تهدئة نبضه._آسفة... جيت من غير موعد. اقتربت ووضعت ورقة أمامه، ثم قالت:_قالوا لي إن حضرتك لازم توافق عليها. نظر إلى الورقة بعينين ضائعتين، وكأنه لا يرى حروفها، ولا حتى يدرك أنها أمامه.
_لو سمحت يا بشمهندس، امضي الورقة. ضغط على الجرس._نعم يا بشمهندس؟أشار إلى خديجة:_شوفي المدام عايزة إيه._اتفضلي معايا يا مدام. انحنت خديجة وسحبت الورقة._شكرًا... وآسفة تاني مرة. قالتها وخرجت تجر خيبتها، كعادة خيباتها الأخرى، ولكن هذه المرة لم تبكِ ولم تضعف. هل جفت دموعها؟
أم أن قلبها خوى من النبض؟في الداخل، أزاح كل ما فوق مكتبه بقوة، حتى تساقط ما عليه. وااااه...كادت نظراتها أن تشق قلبه نصفين. تلك النظرات... وتلك العيون التي مات فيها كل شيء. ماذا يفعل حتى تصبح بالقرب منه؟يلعن قلبه الذي ما زال يمــ,,ـــــوت بها عشــ,,ـــــقًا.
❈-❈-❈
أسبوع آخر مضى... ورغم نقلها إلى مكان أقرب، فإنه كان يبعد عن منزلها عدة ساعات. ذات مساء، جلست كعادتها، تحاول أن تعيد ترتيب أولوياتها. مسحت على وجهها، ثم زفرت وهي تنظر أمامها بشرود. لحظة عابرة...
وقعت عيناها على سيارته التي توقفت أمام منزل والدته، ثم ترجلت زوجته، وبعدها هو، يحمل طفلته. تابعته بعينيها. رجفة اعتصرت فؤادها وهي تراه يحاوط خصرها بذراعه، ويدلف بها إلى الداخل. توقف عبدالرحمن حين استمع إلى صوت صديقه، فأشار إلى زوجته بالدخول، ثم التفت إلى صديقه ودون قصد منه حتى وقعت عيناه على خديجة الجالسة.
تقابلت الأعين. لكنها سحبت عينيها سريعًا، واعتدلت في جلستها، ثم أدارت المقعد في الجهة الأخرى. نظر إلى ظهرها بصمت مؤلم. اقترب صديقه منه:_عايزك في موضوع مهم. انتظر عبدالرحمن حديثه._خديجة بتدور على شغل، وطلبت مني أشوف لها في الشركة عندي، بس الصراحة ما لقيتش.
فقلت أسألك لو تعرف مكان. الموضوع ده مهم أوي يا عبدالرحمن._لا، معرفش... أنتَ عارف بقالي فترة بعيد عن البلد. أومأ له صديقه، واستدار ليغادر بعدما شكره. لكن عبدالرحمن أوقفه:_وخديجة تطلب منك ليه؟ابتسم صديقه واقترب منه:_الصراحة يا عبده، مش هخبي عليك. عايز أطلب إيدها.
عرفت من أختي إنها عايزة شغل، وأنا قلت لها هشوف لك... يمكن لما أساعدها تحصل كيميا بينا. رفع عبدالرحمن نظره إلى خديجة الجالسة._كيميا...تمتم بها بتهكم، ثم ربت على كتفه:_نصيحة مني، شوف حد تاني، لأنها مرتبطة، وهتتكسف تقول لحد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.